عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

16

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

الثاني : أظهر اللّه تعالى شرفه حيث أباح له ما طريقه العز والقهر وهو الغنائم وحرم اللّه عليه ما طريقه الذل والانكسار وهو الصدقة . الثالث : أنه كان صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة للعالمين والمتصدق إنما يتصدق على سبيل الترحم فلو أحلت له الصدقة لكان مرحوما للخلق لا رحيما بهم وكانوا له رحمة ولا يكون رحمة لهم . الرابع : لو أحلت له الصدقة لكان المعطي له خيرا منه لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اليد العليا خير من اليد السفلى » الخامس : عرضت عليه كنوز الأرض فلم يقبلها من ربه فكيف يقبل القليل من غيره ؟ ( فان قيل ) كيف قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما نقص مال من صدقة » ولا شك أن الصدقة بدرهم من عشرة تصير تسعة . ( فالجواب ) أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ الصدقة تقع بيد اللّه قبل أن تقع بيد السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه » فهذا في الحقيقة زيادة لا نقصان ، والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو هو المهر كما صرح به في رواية أخرى حيث قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كما يربي أحدكم مهره أو فصيله » قال في الترغيب والترهيب : الفصيل ولد الناقة . ( فإن قيل ) كيف قال صلّى اللّه عليه وسلّم « الصدقة تسد سبعين بابا من البلاء » ونحن نرى من يتصدق ثم يبتلى ؟ ( فالجواب ) من وجهين : الأول : أنها تدفع البلاء حال الصدقة . الثاني : أنها تدفع بلاء العقوبة لا بلاء المثوبة . ( فائدة ) الصدقة أربعة أحرف : صاد تصون صاحبها من مكاره الدنيا والآخرة ودال تدله على طريق النجاة وقاف تقربه إلى ربه عز وجل وهاء تهديه إلى الأعمال الصالحات . ( فائدة ) قال محمد بن واسع رضي اللّه عنه : الظالم الذي يجمع الدنيا ولا يوجه شيئا منها لآخرته والمقتصد الذي يجمعها ويوجهها إلى آخرته والسابق الذي يجمع آخرته لمولاه ولعل معناه أن لا يريد بصالح عمله إلا النظر إلى وجه اللّه الكريم كمعروف الكرخي رضي اللّه عنه وتقدم معناه . ( حكاية ) قال بعض الصالحين : رأيت حية فقالت أجرني أجارك اللّه فقال من أنت ؟ فقالت أنا من أهل التوحيد ففتح لها فاه فدخلت جوفه فإذا برجل معه سيف فسأله عنها فلم يجدها فرجع الرجل من حيث جاء فقالت الحية للرجل : إن شئت ضربتك في كبدك أو غيره قال ولم ؟ قالت لأنك عملت المعروف مع غير أهله فقال لها : أمهليني حتى أحفر لي قبرا فنزل عليه ملك فأطعمه شيئا فنزلت الحية قطعا فقال من أنت ؟ قال أنا المعروف الذي فعلته مع الحية . وقال عيسى عليه السلام : استكثروا من شيء لا تأكله النار قيل ما هو ؟ قال المعروف . وفي الحديث : « أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف » رواه الطبراني في الأوسط ، قيل معناه أنهم يكونون في الآخرة أهلا لمعروف اللّه كما كانوا في الدنيا أصحاب المعروف لأجل اللّه ، وقيل وصفهم بذلك لأنهم تكرموا بأموالهم في الدنيا وفي الآخرة بحسناتهم للمذنبين من هذه الأمة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان يوم القيامة يأتي اللّه بقوم من أمتي فيدخلهم الجنة بغير حساب ويأتي اللّه بقوم فيحاسبهم فيقول اللّه تعالى يا عبادي من نبيكم فيقولون نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول هل زيد في سيئاتكم ؟ فيقولون لا فيقول هل نقص من حسناتكم شيء ؟ فيقولون لا